حقائق خفية في القرآن والتاريخ

Script:DoSizeHdr

Start of Body

تنقية السنة النبوية من الشوائب:
6. رواية الحديث بالمعنى

تأليف: عيسى عبدالرحمن السركال
الشارقة، الامارات العربية المتحدة
تاريخ النشر: 18 مايو 2023   

Script:PrintURL

قائمة المقالات: تنقية السنة النبوية من الشوائب
المقال السابق: تعدد طرق الحديث لا تدل على صحته
المقال الحالي: رواية الحديث بالمعنى
المقال التالي: كيف نشأت خرافة عذاب القبر

وان افترضنا جدلا صحة الحديث وصحة نسبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلّم)، فهل وصلنا بكماله وتمامه، وكما نطقه النبي بالضبط؟

سفيان الثوري
"قال صاحب لنا لسفيان [الثوري]: حدثنا كما سمعت. فقال: لا والله لا سبيل إليه، ما هو إلا المعاني. وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان يقول: إن قلتُ إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني."
(سير أعلام النبلاء | سفيان الثوري)

ما يقوله سفيان الثوري في رواية الحديث بالمعنى يسري على غيره ايضا:

البخاري
"وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى: قال محمد بن إسماعيل [البخاري] يوما: رُبَّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر. فقلت له: يا أبا عبد الله، بكماله؟ قال: فسكت." (سير اعلام النبلاء | الطبقة الرابعة عشر | أبو عبد الله البخاري)

 

شعبة بن الحجاج
قال الزعفراني: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عفان: أيهما أكثر غلطًا، سفيان أو شعبة؟
قال: شعبة بكثير.
فقال أحمد: في أسماء الرجال.
("الكامل" لابن عدي 1/ 156، "سير أعلام النبلاء" 7/ 247)

قال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء.
("تاريخ بغداد" 9/ 259)
(موسوعة رواة الحديث - شعبة بن الحجاج)


سفيان الثوري، شعبة بن الحجاج، البخاري، هؤلاء متخصصون في الحديث ومن كبار المحدثين، ومع ذلك لا تستطيع ان تضمن انهم اتوا بالحديث كما سمعوه بالضبط، فكيف يا ترى بمن هم دونهم، ومن كانوا في عصر ما قبل التدوين؟
 

مثال على وقوع الخطأ في متن الحديث عند روايته بالمعنى:

اقتباس من شرح النووي على صحيح مسلم:
3631- عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مُسكرا»

(نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء.) وفي الرواية الثانية (نهيتكم عن الظروف وإن الظروف أو ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام) وفي الرواية الثالثة (كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا) قال القاضي: هذه الرواية الثانية فيها تغيير من بعض الرواة وصوابه: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم. فحذف لفظة إلا التي للاستثناء، ولا بد منها. قال: والرواية الأولى فيها تغيير أيضا. وصوابها (فاشربوا في الأوعية كلها) لأن الأسقية وظروف الأدم لم تزل مباحة مأذونا فيها. وإنما نهى عن غيرها من الأوعية. كما قال في الرواية الأولى (كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء) والحاصل أن صواب الروايتين (كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء. فانتبذوا واشربوا في كل وعاء) وما سوى هذا تغيير من الرواة.
(صحيح مسلم - شرح النووي)

السقاء هو وعاء مُجوف مصنوع من جلد البهيمة.. الحديث ورد بثلاث روايات تختلف في ألفاظها اختلافا كبيرا، واخيرا جمع النووي التشكيلة كلها على بعضها واستخرج ما فهمه منها، ويقولها بكل وضوح: وما سوى هذا تغيير من الرواة.

اليك الان روايات الحديث الثلاث لتتضح الصورة بشكل افضل. كلها مروية عن نفس الشخص، ابن بريدة عن ابيه:

(1) حدثنا ‏ ‏محمد بن عبد الله بن نمير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن فضيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ضرار بن مرة أبو سنان ‏ ‏عن ‏ ‏محارب بن دثار ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن بريدة ‏‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال ‏ ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:
«نهيتكم عن ‏ ‏النبيذ ‏ ‏إلا في ‏ ‏سقاء ‏ ‏فاشربوا في ‏ ‏الأسقية ‏ ‏كلها ولا تشربوا مسكرا»
(مسلم | 3631)
(2) ‏‏و حدثنا ‏ ‏حجاج بن الشاعر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ضحاك بن مخلد ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏علقمة بن مرثد ‏ ‏عن ‏ ‏ابن بريدة ‏ ‏عن ‏‏أبيه ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال:‏
«‏نهيتكم عن ‏ ‏الظروف ‏ ‏وإن ‏ ‏الظروف ‏ ‏أو ‏ ‏ظرفا ‏ ‏لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام»
(مسلم | 3632)
(3) ‏و حدثنا ‏ ‏أبو بكر بن أبي شيبة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏وكيع ‏ ‏عن ‏ ‏معرف بن واصل ‏ ‏عن ‏ ‏محارب بن دثار ‏ ‏عن ‏ ‏ابن بريدة ‏‏عن ‏‏أبيه ‏ ‏قال ‏ ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:
‏«كنت نهيتكم عن الأشربة في ‏ ‏ظروف ‏ ‏الأدم ‏ ‏فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا»
‏(مسلم | 3633)

وافترض انه لم تصلك من الحديث إلا رواية واحدة فقط، فكيف لك ان تعرف ان الاصل كان مثلما تقرأه الان؟
 

"وقد ذكر عيسى [بن أبان] أخبارا متضادة استدل بها على: وقوع الوهم والغلط في كثير من روايات الأفراد. منها: أن عروة ابن الزبير روى عن عائشة: أنها كانت مُهلة بالعمرة حين حجت مع النبي عليه السلام، وروى القاسم عنها: أنها كانت مُهلة بالحج."
(الفصول في الاصول [كتاب في الفقه الحنفي]، الجصاص، الجزء 3، ص.138)

الحديث في الاقتباس اعلاه منسوبا الى عائشة.. فهل هي نسيت ان كانت قد أهلت بالحج أو بالعمرة؟ لا يُعقل ان ينسى الانسان ما يقوم به من عمل، ولكن الراوي ينسى، فيقدم، ويؤخر، ويُسقط، ويُغير، ويُضيف.
 

سقوط مفردات من الحديث:

‏حدثنا ‏ ‏علي بن عبد الله ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏سليمان بن أبي مسلم الأحول ‏ ‏عن ‏ ‏مجاهد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي عياض ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو [بن العاص] ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏قال:
لما نهى النبي (ﷺ)‏ ‏عن ‏الأسقية ‏ ‏قيل للنبي ‏(ﷺ)  ‏ليس كل الناس يجد ‏ ‏سقاء‏ ‏فرخص لهم في الجر غير‏ ‏المزفت. (البخاري)

الحديث في الاعلى ايضا عن الاسقية، أخرجه البخاري، وفيه ان الرسول ينهي عن الاسقية،  ينهي عن السقاء نفسه، وليس عن النبيذ الا في السقاء! يقول ابن حجر في شرح الحديث: "قال [عياض] ويُحتمل أن تكون الرواية في الأصل كانت لما نهى عن النبيذ إلا في الأسقية ، فسقط من الرواية شيء" (فتح الباري).

استنادا الى حديث مسلم السابق، وبغض النظر عن اللخبطة الحاصلة في رواياته الثلاث، يرى القاضي عياض ان حديث البخاري يجب ان يكون هكذا: لما نهى النبي عن [النبيذ إلا في] الاسقية.. نهى عن النبيذ إلا في الاسقية، ولم ينهي عن الاسقية بحد ذاتها كما يصرح الحديث.

فانظر كيف تغير المعنى 180 درجة بسقوط كلمتين من الحديث!

اقتباس: "ولأجل هذا امتلات كتب الفقه التي أسست قواعدها الشرعية على أساس الاستدلال بموضوع المتن اختلافا ضاربا ومتشابكا في أصغر المسائل وأكبرها وفي أبسطها وأخطرها - ذلك لأنك لو تصورت مثلا أن رواية واحدة جاءت بأكثر من لفظ، في بعضها اختصار، وفي بعضها إجمال، وفي بعضها إبدال، وفي بعضها إدراج أو وهم أو خطأ أو سوء تأويل، فلك ان تتخيل كم الخلاف الفقهي الذي سيرتبه كل صاحب مذهب يستدل بجزء من هذه المتون المختلفة للحديث الواحد، ولك أيضا أن تسرتسل في الخيال: فكم يكون حجم وشكل المسائل المتضاربة والمتناقضة وبالتالي حجم وكم الاحكام المختلفة المتضاربة في حادثة واحدة لصحابي واحد في مقام واحد."
(التبيين لأسماء المدلسين | سبط ابن العجمي الشافعي | تحقيق يحيى شفيق | ص. 6 - 7)


وهنا يأتي السؤال عن حجية السنة: هل كلام النبي بألفاظه هو الحجة، أو أن فهم الراوي حجة ايضا؟

"قال شيخ الإسلام [ابن تيمية] - رحمه الله: المنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله" ( مجموع الفتاوى: 1/ 246)
(العقيدة - منهج السلف في الدفاع عن العقيدة)

نرى في الاقتباس اعلاه ان ابن تيمية يُقر بأن ثبوت اللفظ شرط لقبول الرواية عن السلف والعلماء والرسول ايضا.. ولكن الاضطراب في مفردات الحديث واقع، ثبت بالدليل القاطع، فكيف بعد هذا يمكن القبول بحديث لم يصلنا الا بطريق واحد، وليس لدينا وسيلة للتحقق من لفظه الاصلي؟ 
 

أبو حنيفة يرد 485 حديث في الفقه:

بسبب اللخبطة الحاصلة في الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه سلّم)، لم يعتمد الامام ابو حنيفة الحديث في مذهبه، فكفّره بعض اهل الحديث وأخرجوه من الملة.

 

هل خبر الواحد مؤكد؟ 

"خبر الواحد محتمل لا محالة، ولا يقين مع الاحتمال، ومن انكر هذا فقد سفه نفسه واضل عقله" (اصول الفقه للبزدوي)

اذا لم يكن لديك وثيقة مكتوبة، يعود تاريخها الى زمن الحديث، تستند اليها في ترجيح رواية شفهية على أخرى، فليس أمامك سوى الظن والتخمين.. القران هو الحكم، ما وافقه صحيح، وما خالفه باطل، "إن أتبع إلا ما يُوحى إلي"، والى مقال آخر ان شاء الله.

قائمة المقالات: تنقية السنة النبوية من الشوائب
المقال السابق: تعدد طرق الحديث لا تدل على صحته
المقال الحالي: رواية الحديث بالمعنى
المقال التالي: كيف نشأت خرافة عذاب القبر

End of Body

Script:DoPrintDlg